إعجاز القرآن فى صيانة مقومات الاجتماع العمرانى
بقلم دكتور:جمال الزكى
سيف الدين/مركز الزرقا/محافظة دمياط
**********************************************************************
** رأت الشريعة الإسلامية أن الضرورات الخمس هى المقومات الضرورية لقيام عمران الاجتماع الإنسانى وهى : صيانة الدين ، والنفس ، والعقل ، والنسل ، والمال ، وهذه الضرورات هى المقومات الرئيسية للاجتماع العمرانى ، ففيها المقوم الدينى – صيانة الدين – ومقوم الحياة الفكرية – صيانة العقل – ومقوم الحياة البشرية – صيانة النسل - والمقوم المادي – صيانة المال \” وإنما جمعت كل هذه المقومات – الدينية – الفكرية – الانسانية - المادية – موظفة جميعاً فى بناء الإنسان ، الذى جعلت له فى هذه المقاصد الخمسة مقصدين : الحفاظ على النفس ، وثانيها الحفاظ على التكاثر السوى لهذه النفس ، وإقامة هذا التكاثر على فطرة الألفة والاختصاص فى الأسرة بالحفاظ على النسب والعرض \” (1) وبهذه الرؤى تميزت الشريعة الإسلامية بمقومات الأمن الاجتماعى – الدينية ، والفكرية ، والمادية ،- عن الرؤى الأخرى – الغير إسلامية – التى وقفت بالأمن الاجتماعى عند العامل الروحى وحده أو تلك التى قصرته على العامل المادى وحده ولذلك جاءت الشريعة الإسلامية جامعة لكل هذه المقومات المادية والفكرية والإنسانية كعوامل متفاعلة لتحقيق الأمن الاجتماعى للإنسانية كلها . صيانة المقوم الدينى : إن المراد بصيانة المقوم الدينى أن يؤدى غرضه فى الأرض ، أن يحكم تصرفات البشر ، أن يفضى لصاحب الحق بحقه ويرد على صاحب الباطل باطله فليس هناك مبدأ من المبادئ فى الأرض قادر على حفظ ضرورات الحياة الإنسانية حفظاً يكفل لهم حياة آمنة سعيدة إلا هذا الدين ،فهو يحفظ للناس نسلهم وعرضهم ونسبهم وأموالهم بل أنفسهم والاعتداء على هذا الدين يجعل كل شىء مستباح ، لذلك كان من حكمة الشارع العظيم أن يكون الدين مصاناً حتى تستقيم حركة الحياة ، فجعل الدخول فيه على قناعة لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ (2) وعندها يكون الالتزام بتعاليمه وقيمه والتى فيها أساس معيشة الأفراد وسعادتهم يوم يلقون ربهم . \” وجريمة الردة نقع ضد الدين الإسلامى وعليه يقوم النظام الاجتماعى للجماعة فالتساهل فى هذه الجريمة يؤدى إلى زعزعة هذا النظام ومن ثم عوقب عليها بأشد العقوبات استئصالاً للمجرم من المجتمع وحماية للنظام الاجتماعى من ناحية ومنعاً للجريمة وزجراً عنها من ناحية أخرى . ولاشك أن عقوبة القتل أقدر العقوبات على صرف الناس عن الجريمة ، ومهما كانت العوامل الدافعة إلى الجريمة فإن عقوبة القتل تولد غالباً فى نفس الإنسان من العوامل الصارفة عن الجريمة ما يكبت العوامل الدافعة إليها ويمنع من ارتكاب الجريمة فى أغلب الأحوال . \” (3) ثم إن قسوة عقوبة الردة تضفى الحماية على التدين الحقيقى فتحول دون عبث العابثين بالأديان عامة لأن ظاهرة الاستهتار أصبحت تشكل خطراً حقيقياً على الدين بل على الأديان جميعاً فأصبحنا نجد من يبدل دينه ليطلق امرأته أو يتزوج بأخرى وبعد أن يحقق مصالحه الشخصية يعود مرة أخرى إلى دينه الأصلى مستهتراً بجميع الأديان للتخلص من الالتزامات بهذه الأساليب ، فليست الحرية الدينية هى العبث بالدين إنما الحرية الدينية أن يدخل الإنسان الدين مختاراً صادقاً مؤمناً به . ويجب أن يعلم المرتد أن مشكلته لا تنتهى عند ردته فقط لأنه ستطبق عليه أحكام الردة فى المعاملات ، فأصبح لا يرث أقاربه ولا يرثه أقاربه وكذلك تفرق بينه وبين زوجته وهذا يؤدى إلى هدم وحدة الأسرة وكذلك عدم ذهاب الحقوق لأهلها بالميراث وبالتالى فإن أثر ردته لم تعد عليه وحدة بل امتدت إلى الآخرين . صيانة النفس الإنسانية : وضع الدين جريمة القتل على قمة الكبائر بعد الإشراك بالله والكفر ، وذلك لأن فيها اعتداء على نفس حرم الله قتلها إلا بالحق وفيها اعتداء أيضاً على المجتمع كله واعتداء على الفضيلة والأخلاق والقيم ، وانتهاك حرمة نفس خلقها الله تعالى ولم يدع لأى إنسان أن يعتدى عليها إلا بالحق الذى بينه الله وشدد عليه . وجريمة القتل من الجرائم التى تؤدى إلى قطع علاقة المسلم بالمسلم ، والمفترض أنها علاقة ألفة ومحبة وتعاون على البر والتقوى وتواصى بالحق ، والمفترض أيضاً أن المسلم عضد المسلم وهم كذلك كالجسد الواحد ولذلك يستبعد الله تعالى وينفى أن يتعمد هذا المسلم – الذى هو عضد لأخيه المسلم – قتل أخيه المسلم إلا أن يكون قتلاً خطأ فيقول سبحانه وتعالى : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً 41) أما القتل العمد لا يجب أن يحدث فى المجتمع المسلم وأن مرتكبه جزاءه موكول إلى الله سبحانه وتعالى يعذبه بعذابه فى الآخرة فيقول سبحانه : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً (5) وهكذا تتضح خطورة هذه الجريمة وبشاعتها ، فلا جزاء لمرتكبها إلا النار وغضب الله تعالى ولعنته ، وقد أخبر سعيد بن جبير أنه سأل عبد الله بن عباس عن هذه الآية فقال : إن الرجل إذا عرف الإسلام وشرائع الإسلام ثم قتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم ولا توبة له . فذكرت ذلك لمجاهد فقال : إلا من ندم وحملوا آية : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً ……. إلى قوله تعال وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً (6) على أنها نزلت فى أهل الشرك . وقال الإمام أحمد : أن رجلاً أتى إلى ابن عباس فقال : \” أرأيت رجلاً قتل رجلاً عمداً ؟ فقال : فجزاؤه جهنم خالداً فيها . لقد نزلت من آخر ما نزل ما نسخها شىء حتى قبض رسول الله وما نزل وحى بعد رسول الله . قال : أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى ؟ قال : وأنى له أن يتوب وقد سمعت رسول الله يقول : ( ثكلته أمه رجل قتل رجلاً متعمداً يجىء المقتول يوم القيامة آخذاً قاتله بيمينه أو يساره وآخذاً رأسه بيمينه أو بشماله تشخب أوداجه دماً من قبل العرش يقول : يا رب سل عبدك فيما قتلنى ؟ ) (7) وروى معاوية أن رسول الله قال : ( كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافراً أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً ) (8) وقد شدد الرسول () وضيق على كل من تسول له نفسه اقتراف هذه الجريمة خاصة مع المسلم حتى وإن ردد لا اله إلا الله بلسانه فقط لأنه بذلك قد عُصم دمه وعرضه وماله . وفى قصة أسامة بن زيد العبرة . فعن أسامة بن زيد قال : بعثنى رسول الله () فى سرية فصبحنا الحرقات من جهينة فأدركت رجلاً فقال : لا اله إلا الله فطعنته . فوقع فى نفسى ذلك فذكرته للنبى فقال : ( أقال لا اله إلا الله وقتلته ؟ قلت يا رسول الله إنما قالها خوفاً من السلاح . فقال : أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم من أجل ذلك قالها أم لا ؟ من لك بلا اله إلا الله يوم القيامة ؟ فمازال يكررها حتى تمنيت أن لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم . ) (9) ولم يقتصر النهى عن قتل النفس المسلمة بل شدد الرسول فى صيانة النفس المعاهدة وعدم الاعتداء عليها فى دار الإسلام وذلك من عدل الإسلام ، وقد جاء الوعيد الشديد لمن قتل المعاهد والمستأمن والذمى . فعن عبد الله بن عمرو عن النبى أنه قال : ( من قتل معاهداً لم يُرح رائحة الجنة وإن رائحتها لتوجد من مسيرة أربعون عاماً )10) وقال : ( ألا ومن قتل نفساً معاهدة لها ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر ذمة الله ولا يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسين خريفاً ) (11) وقد حذر الرسول من أن يتلاقى المسلمان للقتال وإن اقتتلا فكلاهما فى النار فقال : ( إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النار . قيل يا رسول الله .. هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال : لأنه كان حريصاً على قتل صاحبه ) (12) قال الإمام أبو سليمان الخطابى رحمه الله : هذا إنما يكون إذا لم يكونا يقتتلان على تأويل إنما يقتتلان على عداوة بينهما وعصبية أو طلب دنيا أو رئاسة وعلو ، أما قتال أهل البغى على الصفة التى يجب قتالهم بها أو دفع عن نفسه أو حريمه فإنه لا يدخل فى هذه . لأنه مأمور بالقتل للذب عن نفسه غير قاصد به قتل صاحبه إلا إن كان حريصاً على قتل صاحبه ، ومن قاتل باغياً أو قاطع طريق من المسلمين فإنه لا يحرص على قتله إنما يدفعه عن نفسه ،فإن انتهى صاحبه كف عنه ولم يتبعه فإن الحديث لم يرد فى أهل الصفة ، وأما من خالف هذا النعت فهو الذى يدخل فى هذا الحديث … أ هـ . (13) وقد جاء النهى أيضاً عن قتل الأولاد فى قوله تعالى : وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً (14) . وقد جاء هذا النهى خاصاً مع أنه داخل أيضاً فى النهى عن قتل النفس عموماً ، ذلك لبشاعته وشناعته ولا يقدم عليه إلا من فسدت فطرته وماتت عاطفته وذهبت الشفقة من نفسه . ولذلك كان ذنبها عظيم عند الله تعالى . فقد قال رجل للنبى : أى الذنوب أعظم عند الله تعالى ؟ قال : ( أن تجعل لله نداً وهو خلقك . قال : ثم أى ؟ قال : أن تقتل ولدك خشية أن يُطعم معك . قال : ثم أى ؟ قال : أن تزانى حليلة جارك .) فأنزل الله تعالى تصديقاً وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (15) ويبين الرسول () مدى حرمة هذه النفس ومدى جرم الاعتداء عليها فيقول فى حجة الوداع : ( ألا أى شهر تعلمونه أعظم حرمة ؟ قالوا ألا شهرنا هذا . قال : ألا أى بلد تعلمونه أعظم حرمة ؟ قالوا : ألا بلدنا هذا . قال : ألا أى يوم تعلمونه أعظم حرمة ؟ قالوا : ألا يومنا هذا . قال : فإن الله تبارك وتعالى قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة يومكم هذا فى بلدكم هذا فى شهركم هذا . ألا بلغت – ثلاثاً - ؟ كل ذلك يجيبونه أى نعم . قال : ويحكم أو ويلكم لا ترجعوا بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض . ) (16) . ويقول عبد الله بن عمر رأيت رسول الله يطوف بالكعبة ويقول : ( ما أطيبك وما أطيب ريحك وما أعظمك وما أعظم حرمتك ، والذى نفسى بيده لحرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمتك ، ماله ودمه ) (17 حتى أن الرسول الله جعل الإعانة بالكلمة على القتل من أكبر الذنوب وأنه آيس من رحمة الله تعالى فقال : ( من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقى الله مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله ) (18) . يقول سيفان بن عينيه فى قوله : \” ولو بشطر كلمة \” أن يقول لأخيه \” أقـ \” أى جزء من كلمة القتل وذلك لخطورة هذه الجريمة ، وما فيها من نقص للأنفس وهلاك للمجتمع كله . القتل … كيف يراه الإسلام وينظر إليه ؟ جريمة القتل فى اصطلاح الفقهاء : هى إزهاق آدمى لروح آدمى معصوم الدم على التأبيد وبه حياة مستقرة بغير حق . والقتل اعتداء على بنية الجسد الذى هو ملك لخالقه سبحانه ، وبالتالى إزهاق لروحه ، لأنه إذا جاء إنسان ونقض تلك البنية أو هدم أى ركن أساسى فيها فإن الروح تخرج من هذا البدن وتنتهى حياة الإنسان . بخلاف الموت والذى هو خروج روح الإنسان دون نقض بنيته كأن يقال لها أخرجى فتخرج ولا يقدر عليها إلا خالقها وهو الله تبارك وتعالى الذى كتب الموت على كل شىء . والجزاء والعقاب يقع على القاتل لا لأنه أمات القتيل ولكن لأن القاتل تعجل فى عرفه ما أخره الله ، والحق أن القتيل ميت بأجله ، ولهذا يعتبر القتل العمد نوعاً من أنواع الشرك وذلك لأن القاتل يظن أن الشخص الذى يريد قتله والتخلص منه لا تزال له بقية فى الحياة وقد قدرها الله له . ثم يذهب هو من منطلق بغضه وحنقته عليه ليُنهى هو هذا الأجل وكأنه يملك القدرة على أن يهدم إرادة الله فى ذلك الشخص . والواقع أن ضربه واعتداءه عليه يصادف فقط انتهاء أجله الذى قدره الله له . (19) وجرائم القتل والجرح اعتداء على حياة الأفراد المكونين للجماعة وبالتالى اعتداء على النظام الاجتماعي ونظام الحكم فى الجماعة . والتساهل فى هذه الجريمة يؤدى إلى تحكم الأقوياء فى الضعفاء ؟، وانصراف الأفراد إلى التنازع والتناحر وبالتالى تفكك الجماعة وانحلالها . صيانة المقوم الفكرى \” العقل \” تلك الدرة الثمينة التى ميز الله بها الإنسان وأكرمه به ليستفيد به فى فكر ناضج ورأى سديد ، وقوة مدركة ، ووعى ، وتغييب العقل امتهان للإنسان وإهدار لكرامته وقدرته وإلغاء لميزته وقيمته ورسالته لأن تغييب العقل يسوى بينه وبين أحط الحيوان ويعتبره آلة بلا إرادة وصدق الله تعالى إذ يقول : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (20) . وعندما جاء الإسلام بمعجزته الكبرى \” القرآن الكريم \” ليخاطب الناس بالبرهان والحجة احتراماً لعقولهم وتقديراً لقدراتها وتحديداً لوظيفتها فدعاهم إلى الإيمان عن طريق التأمل والتفكير فى آيات الله ، والبحث والدراسة والاستقراء والاستنباط لاكتشاف الحقائق التى تخرجهم من الظلمات إلى النور وتهديهم إلى العمل الصالح الذى ينفعهم فى دينهم ودنياهم ، أما عند تغييب العقل بالخمر فسوف يخسر الإنسان دينه ودنياه . فعن السيدة عائشة – رضى الله عنها – قالت : ( قلت يا رسول الله بم يتفاضل الناس فى الدنيا ؟ قال : \” بالعقل \” قلت : وفى الآخرة ؟ قال : \” بالعقل \” قلت أليس إنما يجزون بأعمالهم ؟ فقال : \” وهل عملوا إلا بقدر ما أعطاهم الله عز وجل من العقل ؟ فبقدر ما أعطوا من العقل كانت أعمالهم وبقدر ما عملوا يجزون ) . والمقصود بصيانة العقل – حفظه من أى مفسدات مادية كانت أم معنوية ، فالإسلام يمد العقل بالجوانب الإيمانية من فكر وعبادة تجعل المؤمن يشعر برقابة داخلية فى قلبه لا تفارقه وهذه الرقابة هى خوفه من الله وطمعه فى رحمته وثوابه . ولم يقف الإسلام عند ذلك بل عمل على التربية العقلية التى يقصد بها تكوين فكر الإنسان المسلم بكل ما هو نافع ومفيد من علوم شرعية وتوعية فكرية وثقافة عصرية ، والإنسان لا يستطيع أن يستفيد من ذلك كله إلا إذا كان ذو عقل سليم وفطرة نقية مميزة على سائر الكائنات ولذلك حارب الإسلام كل فساد من شأنه إنزال الضرر بالعقل حتى يستقيم ويكون مناطاً للتكليف . ومن الأشياء التى حاربها الإسلام وجعلها كبيرة بل أم الخبائث كلها \” الخمر \” لأن شاربها يرتكب جريمة كبيرة فى حق نفسه وفى حق مجتمعه ، فهى تغرى بالعداوة كما نص القرآن الكريم ، وتدفع إلى الشر ، والى القول المفسد عند هذيان السكران ، يقول سبحانه : إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (21) . فشارب الخمر غالباً ما يقبل على شربها مع أصحابه ، وعند ذهاب العقل بالسكر ، تستولى الشهوة والغضب من غير مدافعة العقل ، فتحصل المنازعة والمشاحنة بينهم وربما أدت إلى الضرب ، والقتل والمشافهة بالفحش ، وذلك يورث أشد العداوة والبغضاء بين أفراد المجتمع الواحد . (22) وكذلك هناك مقاصد متعلقة بالدين وهى الصد عن ذكر الله وعن الصلاة وهما روح الدين وعماده . فالخمر تمنع عن ذكر الله ، لأن شرب الخمر يورث الطرب ، واللذة الجسمانية ، والنفس إذا استغرقت فى الملذات ، غفلت عن ذكر الله ، وعن الصلاة ، وإن صلى السكران خالط عليه فعله فى الصلاة فلا يدرى ما يقول . ومن الناس من إذا أراد أن يرتكب جريمة شَرِبَ الخمر فيذهب عقله فيزول تردده ، ويزداد اندفاعه إلى الجريمة ، ولكن إذا أيقن أن يد العدالة ستناله وسيأخذ جزاء فعلته ؛عندها سيضع حداً لنفسه من قبل أن يقام عليه الحد . صيانة التكاثر السوى للنفس البشرية : ويقصد به المحافظة على النوع الإنسانى عن طريق حياة زوجية سليمة قائمة على الشرع لتصريف الغريزة الجنسية ، وهو أيضاً الوسيلة المثلى لإخراج سلالة يقوم على تربيتها الزوجان ويتعهدانها بالرعاية ، وغرس عواطف الحب والود والرحمة والنزاهة ، والشرف ، والإباء ، وعزة النفس فيها ولكى تستطيع هذه السلالة أن تنهض بتبعاتها وتسهم بجهودها فى ترقية الحياة وإعلانها ، فإذا حدث اعتداء على هذه الحياة النظيفة فسوف تنهدم الأسرة ويتصدع بنيانها ويسارع إليها الخراب ، وينتشر فيها الفساد وذلك بفعل الفاحشة . ولذلك كانت العقوبة قاسية لأن الإسلام ما قصد من وراء العقوبة إلا صيانة الأعراض أيما صيانة وحفظها من التلوث والدخالة ، لأن الأعراض الطاهرة تستوجب الطمأنينة السعيدة فى الأسرة ، وتنبت ذرية قوية صالحة ، وأفرادها شرفاء فضلاء ، وأشبالاً أشداء أقوياء ،أما الأسر التى يفشو فيها الزنى فهى أسر متهدمة لا تُكَّون أجيالاً نبلاء ولا شعوب كريمة . ولقد أشار الرسول () إلى ذلك بقوله : ( لا تزال أمتى بخير ما لم يفش ولد الزنى ، فإذا فشافيهم ولد الزنى ، أوشك أن يعمهم الله عقابه ) (23) . ولهذا كان النبى يفخر بحسبه ونسبه فيقول : ( ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح ) . وها هى الخنساء تنصح أولادها فى موقعة القادسية وتحرضهم على الثبات فتقول لهم : ( أى بنى إنكم أسلمتم طائعين وهاجرتم مختارين ، والذى لا اله إلا هو إنكم لبنو رجل واحد ، كما أنكم بنو امرأة واحدة ، ما خنت أباكم ولا فضحت خالكم ولا هجنت حسبكم ولا غيرت نسبكم ) فهى – رضى الله عنها – قد أدركت بحسها الفطرى أن ولد الزنى لا يغار على وطن وليس عنده نخوة ولا شهامة ، فالزنى مميت للنخوة والشهامة ، ومميت للجرأة والشجاعة . والذين يرغبون عن الزواج الطبيعى ويرغبون الزنى ويكتفون به عن الزواج الشرعى ، لا يكون لهم نسل يخلفهم بطريقة طبيعية فتقل الذرية ويتضاءل عمران الكون ؛ ولذلك كان من مقاصد الإسلام الكبرى حفظ النسل قوياً متآلفاً ليكون قوة ترتبط بغيرها من القوى الإنسانية ، وكان من مقاصده فى العقوبة : حفظ الأنساب : ففى الزنا ضياع الأنساب واختلاطها وتمليك الأموال لغير أصحابها عند التوارث ، فولد الزنى لا يعرف له أب ، فينشأ وقد امتلأ قلبه حقداً على المجتمع الذى لا يوفر له الحياة الطبيعية السليمة والنشأة السوية الظاهرة من
بقلم دكتور:جمال الزكى
سيف الدين/مركز الزرقا/محافظة دمياط
**********************************************************************
** رأت الشريعة الإسلامية أن الضرورات الخمس هى المقومات الضرورية لقيام عمران الاجتماع الإنسانى وهى : صيانة الدين ، والنفس ، والعقل ، والنسل ، والمال ، وهذه الضرورات هى المقومات الرئيسية للاجتماع العمرانى ، ففيها المقوم الدينى – صيانة الدين – ومقوم الحياة الفكرية – صيانة العقل – ومقوم الحياة البشرية – صيانة النسل - والمقوم المادي – صيانة المال \” وإنما جمعت كل هذه المقومات – الدينية – الفكرية – الانسانية - المادية – موظفة جميعاً فى بناء الإنسان ، الذى جعلت له فى هذه المقاصد الخمسة مقصدين : الحفاظ على النفس ، وثانيها الحفاظ على التكاثر السوى لهذه النفس ، وإقامة هذا التكاثر على فطرة الألفة والاختصاص فى الأسرة بالحفاظ على النسب والعرض \” (1) وبهذه الرؤى تميزت الشريعة الإسلامية بمقومات الأمن الاجتماعى – الدينية ، والفكرية ، والمادية ،- عن الرؤى الأخرى – الغير إسلامية – التى وقفت بالأمن الاجتماعى عند العامل الروحى وحده أو تلك التى قصرته على العامل المادى وحده ولذلك جاءت الشريعة الإسلامية جامعة لكل هذه المقومات المادية والفكرية والإنسانية كعوامل متفاعلة لتحقيق الأمن الاجتماعى للإنسانية كلها . صيانة المقوم الدينى : إن المراد بصيانة المقوم الدينى أن يؤدى غرضه فى الأرض ، أن يحكم تصرفات البشر ، أن يفضى لصاحب الحق بحقه ويرد على صاحب الباطل باطله فليس هناك مبدأ من المبادئ فى الأرض قادر على حفظ ضرورات الحياة الإنسانية حفظاً يكفل لهم حياة آمنة سعيدة إلا هذا الدين ،فهو يحفظ للناس نسلهم وعرضهم ونسبهم وأموالهم بل أنفسهم والاعتداء على هذا الدين يجعل كل شىء مستباح ، لذلك كان من حكمة الشارع العظيم أن يكون الدين مصاناً حتى تستقيم حركة الحياة ، فجعل الدخول فيه على قناعة لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ (2) وعندها يكون الالتزام بتعاليمه وقيمه والتى فيها أساس معيشة الأفراد وسعادتهم يوم يلقون ربهم . \” وجريمة الردة نقع ضد الدين الإسلامى وعليه يقوم النظام الاجتماعى للجماعة فالتساهل فى هذه الجريمة يؤدى إلى زعزعة هذا النظام ومن ثم عوقب عليها بأشد العقوبات استئصالاً للمجرم من المجتمع وحماية للنظام الاجتماعى من ناحية ومنعاً للجريمة وزجراً عنها من ناحية أخرى . ولاشك أن عقوبة القتل أقدر العقوبات على صرف الناس عن الجريمة ، ومهما كانت العوامل الدافعة إلى الجريمة فإن عقوبة القتل تولد غالباً فى نفس الإنسان من العوامل الصارفة عن الجريمة ما يكبت العوامل الدافعة إليها ويمنع من ارتكاب الجريمة فى أغلب الأحوال . \” (3) ثم إن قسوة عقوبة الردة تضفى الحماية على التدين الحقيقى فتحول دون عبث العابثين بالأديان عامة لأن ظاهرة الاستهتار أصبحت تشكل خطراً حقيقياً على الدين بل على الأديان جميعاً فأصبحنا نجد من يبدل دينه ليطلق امرأته أو يتزوج بأخرى وبعد أن يحقق مصالحه الشخصية يعود مرة أخرى إلى دينه الأصلى مستهتراً بجميع الأديان للتخلص من الالتزامات بهذه الأساليب ، فليست الحرية الدينية هى العبث بالدين إنما الحرية الدينية أن يدخل الإنسان الدين مختاراً صادقاً مؤمناً به . ويجب أن يعلم المرتد أن مشكلته لا تنتهى عند ردته فقط لأنه ستطبق عليه أحكام الردة فى المعاملات ، فأصبح لا يرث أقاربه ولا يرثه أقاربه وكذلك تفرق بينه وبين زوجته وهذا يؤدى إلى هدم وحدة الأسرة وكذلك عدم ذهاب الحقوق لأهلها بالميراث وبالتالى فإن أثر ردته لم تعد عليه وحدة بل امتدت إلى الآخرين . صيانة النفس الإنسانية : وضع الدين جريمة القتل على قمة الكبائر بعد الإشراك بالله والكفر ، وذلك لأن فيها اعتداء على نفس حرم الله قتلها إلا بالحق وفيها اعتداء أيضاً على المجتمع كله واعتداء على الفضيلة والأخلاق والقيم ، وانتهاك حرمة نفس خلقها الله تعالى ولم يدع لأى إنسان أن يعتدى عليها إلا بالحق الذى بينه الله وشدد عليه . وجريمة القتل من الجرائم التى تؤدى إلى قطع علاقة المسلم بالمسلم ، والمفترض أنها علاقة ألفة ومحبة وتعاون على البر والتقوى وتواصى بالحق ، والمفترض أيضاً أن المسلم عضد المسلم وهم كذلك كالجسد الواحد ولذلك يستبعد الله تعالى وينفى أن يتعمد هذا المسلم – الذى هو عضد لأخيه المسلم – قتل أخيه المسلم إلا أن يكون قتلاً خطأ فيقول سبحانه وتعالى : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً 41) أما القتل العمد لا يجب أن يحدث فى المجتمع المسلم وأن مرتكبه جزاءه موكول إلى الله سبحانه وتعالى يعذبه بعذابه فى الآخرة فيقول سبحانه : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً (5) وهكذا تتضح خطورة هذه الجريمة وبشاعتها ، فلا جزاء لمرتكبها إلا النار وغضب الله تعالى ولعنته ، وقد أخبر سعيد بن جبير أنه سأل عبد الله بن عباس عن هذه الآية فقال : إن الرجل إذا عرف الإسلام وشرائع الإسلام ثم قتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم ولا توبة له . فذكرت ذلك لمجاهد فقال : إلا من ندم وحملوا آية : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً ……. إلى قوله تعال وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً (6) على أنها نزلت فى أهل الشرك . وقال الإمام أحمد : أن رجلاً أتى إلى ابن عباس فقال : \” أرأيت رجلاً قتل رجلاً عمداً ؟ فقال : فجزاؤه جهنم خالداً فيها . لقد نزلت من آخر ما نزل ما نسخها شىء حتى قبض رسول الله وما نزل وحى بعد رسول الله . قال : أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى ؟ قال : وأنى له أن يتوب وقد سمعت رسول الله يقول : ( ثكلته أمه رجل قتل رجلاً متعمداً يجىء المقتول يوم القيامة آخذاً قاتله بيمينه أو يساره وآخذاً رأسه بيمينه أو بشماله تشخب أوداجه دماً من قبل العرش يقول : يا رب سل عبدك فيما قتلنى ؟ ) (7) وروى معاوية أن رسول الله قال : ( كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافراً أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً ) (8) وقد شدد الرسول () وضيق على كل من تسول له نفسه اقتراف هذه الجريمة خاصة مع المسلم حتى وإن ردد لا اله إلا الله بلسانه فقط لأنه بذلك قد عُصم دمه وعرضه وماله . وفى قصة أسامة بن زيد العبرة . فعن أسامة بن زيد قال : بعثنى رسول الله () فى سرية فصبحنا الحرقات من جهينة فأدركت رجلاً فقال : لا اله إلا الله فطعنته . فوقع فى نفسى ذلك فذكرته للنبى فقال : ( أقال لا اله إلا الله وقتلته ؟ قلت يا رسول الله إنما قالها خوفاً من السلاح . فقال : أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم من أجل ذلك قالها أم لا ؟ من لك بلا اله إلا الله يوم القيامة ؟ فمازال يكررها حتى تمنيت أن لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم . ) (9) ولم يقتصر النهى عن قتل النفس المسلمة بل شدد الرسول فى صيانة النفس المعاهدة وعدم الاعتداء عليها فى دار الإسلام وذلك من عدل الإسلام ، وقد جاء الوعيد الشديد لمن قتل المعاهد والمستأمن والذمى . فعن عبد الله بن عمرو عن النبى أنه قال : ( من قتل معاهداً لم يُرح رائحة الجنة وإن رائحتها لتوجد من مسيرة أربعون عاماً )10) وقال : ( ألا ومن قتل نفساً معاهدة لها ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر ذمة الله ولا يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسين خريفاً ) (11) وقد حذر الرسول من أن يتلاقى المسلمان للقتال وإن اقتتلا فكلاهما فى النار فقال : ( إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النار . قيل يا رسول الله .. هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال : لأنه كان حريصاً على قتل صاحبه ) (12) قال الإمام أبو سليمان الخطابى رحمه الله : هذا إنما يكون إذا لم يكونا يقتتلان على تأويل إنما يقتتلان على عداوة بينهما وعصبية أو طلب دنيا أو رئاسة وعلو ، أما قتال أهل البغى على الصفة التى يجب قتالهم بها أو دفع عن نفسه أو حريمه فإنه لا يدخل فى هذه . لأنه مأمور بالقتل للذب عن نفسه غير قاصد به قتل صاحبه إلا إن كان حريصاً على قتل صاحبه ، ومن قاتل باغياً أو قاطع طريق من المسلمين فإنه لا يحرص على قتله إنما يدفعه عن نفسه ،فإن انتهى صاحبه كف عنه ولم يتبعه فإن الحديث لم يرد فى أهل الصفة ، وأما من خالف هذا النعت فهو الذى يدخل فى هذا الحديث … أ هـ . (13) وقد جاء النهى أيضاً عن قتل الأولاد فى قوله تعالى : وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً (14) . وقد جاء هذا النهى خاصاً مع أنه داخل أيضاً فى النهى عن قتل النفس عموماً ، ذلك لبشاعته وشناعته ولا يقدم عليه إلا من فسدت فطرته وماتت عاطفته وذهبت الشفقة من نفسه . ولذلك كان ذنبها عظيم عند الله تعالى . فقد قال رجل للنبى : أى الذنوب أعظم عند الله تعالى ؟ قال : ( أن تجعل لله نداً وهو خلقك . قال : ثم أى ؟ قال : أن تقتل ولدك خشية أن يُطعم معك . قال : ثم أى ؟ قال : أن تزانى حليلة جارك .) فأنزل الله تعالى تصديقاً وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (15) ويبين الرسول () مدى حرمة هذه النفس ومدى جرم الاعتداء عليها فيقول فى حجة الوداع : ( ألا أى شهر تعلمونه أعظم حرمة ؟ قالوا ألا شهرنا هذا . قال : ألا أى بلد تعلمونه أعظم حرمة ؟ قالوا : ألا بلدنا هذا . قال : ألا أى يوم تعلمونه أعظم حرمة ؟ قالوا : ألا يومنا هذا . قال : فإن الله تبارك وتعالى قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة يومكم هذا فى بلدكم هذا فى شهركم هذا . ألا بلغت – ثلاثاً - ؟ كل ذلك يجيبونه أى نعم . قال : ويحكم أو ويلكم لا ترجعوا بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض . ) (16) . ويقول عبد الله بن عمر رأيت رسول الله يطوف بالكعبة ويقول : ( ما أطيبك وما أطيب ريحك وما أعظمك وما أعظم حرمتك ، والذى نفسى بيده لحرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمتك ، ماله ودمه ) (17 حتى أن الرسول الله جعل الإعانة بالكلمة على القتل من أكبر الذنوب وأنه آيس من رحمة الله تعالى فقال : ( من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقى الله مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله ) (18) . يقول سيفان بن عينيه فى قوله : \” ولو بشطر كلمة \” أن يقول لأخيه \” أقـ \” أى جزء من كلمة القتل وذلك لخطورة هذه الجريمة ، وما فيها من نقص للأنفس وهلاك للمجتمع كله . القتل … كيف يراه الإسلام وينظر إليه ؟ جريمة القتل فى اصطلاح الفقهاء : هى إزهاق آدمى لروح آدمى معصوم الدم على التأبيد وبه حياة مستقرة بغير حق . والقتل اعتداء على بنية الجسد الذى هو ملك لخالقه سبحانه ، وبالتالى إزهاق لروحه ، لأنه إذا جاء إنسان ونقض تلك البنية أو هدم أى ركن أساسى فيها فإن الروح تخرج من هذا البدن وتنتهى حياة الإنسان . بخلاف الموت والذى هو خروج روح الإنسان دون نقض بنيته كأن يقال لها أخرجى فتخرج ولا يقدر عليها إلا خالقها وهو الله تبارك وتعالى الذى كتب الموت على كل شىء . والجزاء والعقاب يقع على القاتل لا لأنه أمات القتيل ولكن لأن القاتل تعجل فى عرفه ما أخره الله ، والحق أن القتيل ميت بأجله ، ولهذا يعتبر القتل العمد نوعاً من أنواع الشرك وذلك لأن القاتل يظن أن الشخص الذى يريد قتله والتخلص منه لا تزال له بقية فى الحياة وقد قدرها الله له . ثم يذهب هو من منطلق بغضه وحنقته عليه ليُنهى هو هذا الأجل وكأنه يملك القدرة على أن يهدم إرادة الله فى ذلك الشخص . والواقع أن ضربه واعتداءه عليه يصادف فقط انتهاء أجله الذى قدره الله له . (19) وجرائم القتل والجرح اعتداء على حياة الأفراد المكونين للجماعة وبالتالى اعتداء على النظام الاجتماعي ونظام الحكم فى الجماعة . والتساهل فى هذه الجريمة يؤدى إلى تحكم الأقوياء فى الضعفاء ؟، وانصراف الأفراد إلى التنازع والتناحر وبالتالى تفكك الجماعة وانحلالها . صيانة المقوم الفكرى \” العقل \” تلك الدرة الثمينة التى ميز الله بها الإنسان وأكرمه به ليستفيد به فى فكر ناضج ورأى سديد ، وقوة مدركة ، ووعى ، وتغييب العقل امتهان للإنسان وإهدار لكرامته وقدرته وإلغاء لميزته وقيمته ورسالته لأن تغييب العقل يسوى بينه وبين أحط الحيوان ويعتبره آلة بلا إرادة وصدق الله تعالى إذ يقول : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (20) . وعندما جاء الإسلام بمعجزته الكبرى \” القرآن الكريم \” ليخاطب الناس بالبرهان والحجة احتراماً لعقولهم وتقديراً لقدراتها وتحديداً لوظيفتها فدعاهم إلى الإيمان عن طريق التأمل والتفكير فى آيات الله ، والبحث والدراسة والاستقراء والاستنباط لاكتشاف الحقائق التى تخرجهم من الظلمات إلى النور وتهديهم إلى العمل الصالح الذى ينفعهم فى دينهم ودنياهم ، أما عند تغييب العقل بالخمر فسوف يخسر الإنسان دينه ودنياه . فعن السيدة عائشة – رضى الله عنها – قالت : ( قلت يا رسول الله بم يتفاضل الناس فى الدنيا ؟ قال : \” بالعقل \” قلت : وفى الآخرة ؟ قال : \” بالعقل \” قلت أليس إنما يجزون بأعمالهم ؟ فقال : \” وهل عملوا إلا بقدر ما أعطاهم الله عز وجل من العقل ؟ فبقدر ما أعطوا من العقل كانت أعمالهم وبقدر ما عملوا يجزون ) . والمقصود بصيانة العقل – حفظه من أى مفسدات مادية كانت أم معنوية ، فالإسلام يمد العقل بالجوانب الإيمانية من فكر وعبادة تجعل المؤمن يشعر برقابة داخلية فى قلبه لا تفارقه وهذه الرقابة هى خوفه من الله وطمعه فى رحمته وثوابه . ولم يقف الإسلام عند ذلك بل عمل على التربية العقلية التى يقصد بها تكوين فكر الإنسان المسلم بكل ما هو نافع ومفيد من علوم شرعية وتوعية فكرية وثقافة عصرية ، والإنسان لا يستطيع أن يستفيد من ذلك كله إلا إذا كان ذو عقل سليم وفطرة نقية مميزة على سائر الكائنات ولذلك حارب الإسلام كل فساد من شأنه إنزال الضرر بالعقل حتى يستقيم ويكون مناطاً للتكليف . ومن الأشياء التى حاربها الإسلام وجعلها كبيرة بل أم الخبائث كلها \” الخمر \” لأن شاربها يرتكب جريمة كبيرة فى حق نفسه وفى حق مجتمعه ، فهى تغرى بالعداوة كما نص القرآن الكريم ، وتدفع إلى الشر ، والى القول المفسد عند هذيان السكران ، يقول سبحانه : إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (21) . فشارب الخمر غالباً ما يقبل على شربها مع أصحابه ، وعند ذهاب العقل بالسكر ، تستولى الشهوة والغضب من غير مدافعة العقل ، فتحصل المنازعة والمشاحنة بينهم وربما أدت إلى الضرب ، والقتل والمشافهة بالفحش ، وذلك يورث أشد العداوة والبغضاء بين أفراد المجتمع الواحد . (22) وكذلك هناك مقاصد متعلقة بالدين وهى الصد عن ذكر الله وعن الصلاة وهما روح الدين وعماده . فالخمر تمنع عن ذكر الله ، لأن شرب الخمر يورث الطرب ، واللذة الجسمانية ، والنفس إذا استغرقت فى الملذات ، غفلت عن ذكر الله ، وعن الصلاة ، وإن صلى السكران خالط عليه فعله فى الصلاة فلا يدرى ما يقول . ومن الناس من إذا أراد أن يرتكب جريمة شَرِبَ الخمر فيذهب عقله فيزول تردده ، ويزداد اندفاعه إلى الجريمة ، ولكن إذا أيقن أن يد العدالة ستناله وسيأخذ جزاء فعلته ؛عندها سيضع حداً لنفسه من قبل أن يقام عليه الحد . صيانة التكاثر السوى للنفس البشرية : ويقصد به المحافظة على النوع الإنسانى عن طريق حياة زوجية سليمة قائمة على الشرع لتصريف الغريزة الجنسية ، وهو أيضاً الوسيلة المثلى لإخراج سلالة يقوم على تربيتها الزوجان ويتعهدانها بالرعاية ، وغرس عواطف الحب والود والرحمة والنزاهة ، والشرف ، والإباء ، وعزة النفس فيها ولكى تستطيع هذه السلالة أن تنهض بتبعاتها وتسهم بجهودها فى ترقية الحياة وإعلانها ، فإذا حدث اعتداء على هذه الحياة النظيفة فسوف تنهدم الأسرة ويتصدع بنيانها ويسارع إليها الخراب ، وينتشر فيها الفساد وذلك بفعل الفاحشة . ولذلك كانت العقوبة قاسية لأن الإسلام ما قصد من وراء العقوبة إلا صيانة الأعراض أيما صيانة وحفظها من التلوث والدخالة ، لأن الأعراض الطاهرة تستوجب الطمأنينة السعيدة فى الأسرة ، وتنبت ذرية قوية صالحة ، وأفرادها شرفاء فضلاء ، وأشبالاً أشداء أقوياء ،أما الأسر التى يفشو فيها الزنى فهى أسر متهدمة لا تُكَّون أجيالاً نبلاء ولا شعوب كريمة . ولقد أشار الرسول () إلى ذلك بقوله : ( لا تزال أمتى بخير ما لم يفش ولد الزنى ، فإذا فشافيهم ولد الزنى ، أوشك أن يعمهم الله عقابه ) (23) . ولهذا كان النبى يفخر بحسبه ونسبه فيقول : ( ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح ) . وها هى الخنساء تنصح أولادها فى موقعة القادسية وتحرضهم على الثبات فتقول لهم : ( أى بنى إنكم أسلمتم طائعين وهاجرتم مختارين ، والذى لا اله إلا هو إنكم لبنو رجل واحد ، كما أنكم بنو امرأة واحدة ، ما خنت أباكم ولا فضحت خالكم ولا هجنت حسبكم ولا غيرت نسبكم ) فهى – رضى الله عنها – قد أدركت بحسها الفطرى أن ولد الزنى لا يغار على وطن وليس عنده نخوة ولا شهامة ، فالزنى مميت للنخوة والشهامة ، ومميت للجرأة والشجاعة . والذين يرغبون عن الزواج الطبيعى ويرغبون الزنى ويكتفون به عن الزواج الشرعى ، لا يكون لهم نسل يخلفهم بطريقة طبيعية فتقل الذرية ويتضاءل عمران الكون ؛ ولذلك كان من مقاصد الإسلام الكبرى حفظ النسل قوياً متآلفاً ليكون قوة ترتبط بغيرها من القوى الإنسانية ، وكان من مقاصده فى العقوبة : حفظ الأنساب : ففى الزنا ضياع الأنساب واختلاطها وتمليك الأموال لغير أصحابها عند التوارث ، فولد الزنى لا يعرف له أب ، فينشأ وقد امتلأ قلبه حقداً على المجتمع الذى لا يوفر له الحياة الطبيعية السليمة والنشأة السوية الظاهرة من













